هناك فروق كثيرة بين الدول المتقدمة والدول المتخلفة أو النامية، من بينها مدى القدرة على تحمل المسؤولية الخاصة بحالتها، والواجبات المترتبة عليها، والأهم الإجابة عن سؤال ماذا تفعل الدولة لكى تظل متقدمة وتتقدم أكثر إلى مستويات وسقوف عالية من التقدم؟ أو ماذا تفعل الدولة المتخلفة لكى تخرج من أوضاعها إلى مراتب الدول المتقدمة والسير فى مسيرتها؟

المسؤولية هى تحمل الحقيقة الكبرى أن ما نحن فيه أيا مّا كانت أوضاعنا هو نتاج ما نفعله أو ما لا نفعله. ببساطة، إن الإرادة الإنسانية تشكل فارقا مهما فى الاختيارات التى نختارها.

للأسف، فإنه فى الأمم «النامية» هناك أكثر من طريقة للهروب من هذه المسؤولية يقع فى مقدمتها حدوث مؤامرات كبرى وصغرى لإبقاء المتخلف على تخلفه، بل إنه أحيانا تجد سؤالا يطرح عليك فور القول بهذه الإرادة: وهل يسمحون لنا بالتقدم؟

الإشارة هنا دائمة للغرب والدول الاستعمارية السابقة، وفى حالتنا الإمبريالية الأمريكية ومعها الصهيونية العالمية وإسرائيل. هنا يختفى تماما العالم الذى نشاهده، فلا تعرف لماذا تقدمت الصين، ولا كيف نجحت اليابان بعد ضربها بالقنابل الذرية، ولا كيف ذهبت ماليزيا الإسلامية إلى صفوف الدول المتقدمة، وسنغافورة بأجناسها المالية والهندية والصينية إلى المقدمة فى تقارير التنافسية العالمية، أكثر من ١٠٠ دولة فى العالم انتقلت من الفقر إلى الغنى، ومن المرض إلى العافية، ولأول مرة فى تاريخ الجنس البشرى، وخلال عقدين فقط من السنوات خرج مليار إنسان من التخلف إلى التقدم فى الصحة والعلم والغنى.

الزميل العزيز سليمان جودة كتب عمودا مهمًا مؤخرا عبّر فيه عن وجله من زيارة بعثة صندوق النقد الدولى لأمرين: أولهما شائع بأن مثل هذه الزيارات تؤدى فى الأغلب والأعم لإجراءات تؤدى إلى كثير من المعاناة والألم. وثانيهما وهو غير شائع إلا فى صفوف كتاب ومثقفين أن «روشتة» أو توصيات الصندوق لم تفلح فى إنقاذ بلاد أخرى، ومن ثم فإن التشاؤم مشروع من نجاحها فى بلادنا.

كلا الأمرين يخلى مصر والمصريين تماما من تحمل المسؤولية، فمصر دولة مؤسسة للصندوق، كما أنها تدفع أموالًا له تتيح لها عندما تأتى الحاجة الاقتصادية إلى استخدامها الحصول على قروض من المؤسسة الدولية، مضافا لها قبول التوصيات التى تقدم لها حتى لا تقترض مرة أخرى. ومن حق مصر أولًا ألا تذهب إلى الصندوق فى أى أمر، ومن حقها أيضا ألا تستمع إلى ما يقوله الصندوق أصلا، بل إنها أكثر من ذلك يمكنها أن تنسحب من الصندوق كله.

وفى الحقيقة فإن المسألة ليست فى القرض ذى الفائدة المنخفضة والذى يجرى سداده على زمن طويل، بعد فترة سماح معقولة، وإنما فى تلك التوصيات المرة.

فالحقيقة أن مصر على سبيل المثال، يأتى لها بمتوسط سنوى خلال السنوات الأخيرة، ما يزيد على ٢٠ مليار دولار من تحويلات العاملين فى الخارج، وهذه تأتى، دون شروط أو توصيات، ومع ذلك تبقى القضية هى ماذا تفعل بهذا المال؟ وكيف نستثمره؟ وكيف نجعله يصب فى الاقتصاد القومى ويدور فيه حتى يكون سببًا من أسباب التقدم؟ الصندوق مثل الطبيب أو المستشفى الذى تذهب إليه عندما تكون مريضا، وفى العادة فإما أن يحصل المريض حسب الحالة على دواء مر أو تجرى له عملية جراحية؛ وكلاهما ليس أمرًا سعيدًا.

نجاح أو فشل برنامج الصندوق لا يتوقف على «الروشتة»، وإنما على المريض الذى إما أن ينفذها بحذافيرها ويعيش على النظام الغذائى الذى تضعه، ويمارس إنقاص الوزن اللازم، ويتوقف عن العادات السيئة وفى مقدمتها التدخين، وهكذا أمور؛ أو أن حالته سوف تتدهور مرة أخرى.

تاريخ الصندوق فى النجاح والفشل لم يكن أبدا قصته، وإنما قصة المرضى الذين عالجهم.

خلال التسعينيات من القرن الماضى انتقلت أوروبا الشرقية كلها من دول العالم الثانى والثالث إلى صفوف العالم الأول، والانضمام إلى الاتحاد الأوروبى ومنطقة اليورو، لأنها قبلت بتنفيذ روشتة الصندوق ومعها روشتة أكثر قسوة من الاتحاد الأوربى.

لم يكن هذا الاتحاد على استعداد لضم مجموعة من المرضى إلى صفوفه؛ وعندما حاولت بعض الدول مثل اليونان الخداع وتمثيل الصحة بينما المرض لا يزال مستشريا، كانت النتيجة كارثية للدولة والاتحاد معا. تحملت دول أوروبا الشرقية وبعض دول أمريكا الجنوبية (المكسيك والبرازيل) ما قيل عنه إنه إجراء عمليات جراحية بدون مخدر.

الدول التى صرخت بعد ذلك بفشل الصندوق مثل الأرجنتين واليونان ومصر فى الثمانينيات كانت هى الدول التى خرجت من البرنامج قبل استكمال العلاج، أو لأنها رفضت إجراء العملية الجراحية بدون تخدير، لأن المخدر ربما يصيبها بأزمة قلبية. وفى الحقيقة فإن الصندوق لا يخترع علاجًا اقتصاديًا، وإنما هو يطبق ما استقر عليه الفكر التنموى فى العالم حول ضرورة توافر مجموعة من الشروط الأساسية التى لها علاقة بالعملة الوطنية وقواعد الدخول والخروج إلى السوق، واتباع سياسة اقتصادية تكفل التوازن بين الإنفاق والموارد، والتصدير والاستيراد، إلى آخر ما هو معروف عن الاقتصاد الرشيد.

وبالنسبة لمصر، فلها تاريخ فى التعامل مع الصندوق فقد اتفقنا معه خلال الثمانينيات من القرن الماضى، ولكننا لم نتحمل الألم، فخرجنا من المستشفى وكان علينا أن نعود له مرة أخرى مع التسعينيات فى عهد وزارة الدكتور عاطف صدقى (رحمه الله) ومن بعده عدنا إلى طريقتنا فى إدارة الأمر، فكانت النكسة الكبرى والانكماش الاقتصادى حتى عدنا مرة أخرى مع وزارة الدكتور أحمد نظيف، التى حققت نتائج اقتصادية إيجابية، فقامت الثورات لكى نبدأ من جديد.

فى عهد وزارة الدكتور حازم الببلاوى ووزير ماليته القدير أحمد جلال، وصلنا إلى نتيجة، وهى أننا لا نحتاج الصندوق لأن الاقتصاد المصرى ساعتها كان يحتاج إجراءات توسعية، بعد انكماش عهد الثورات، ولأنه كانت هناك تسعة مليارات من الدولارات جاءت إلى مصر من الدول العربية فى أعقاب حرب الخليج، فاحتفظ بها الرئيس حسنى مبارك ووافق الرئيس عدلى منصور على استخدامها فى برنامج للإنعاش الاقتصادى كان هو أولى الأفكار المصرية للتعامل مع وضع معقد.

ما جرى بعد ذلك جزء من التاريخ الاقتصادى لمصر، ولكن ما نود التأكيد عليه هو أن الاستعانة أو عدم الاستعانة بالصندوق قرار مصرى أولًا وأخيرًا، وإذا كان القرار هو الاستعانة، فإن ذلك لأننا لم نقم بواجباتنا فى إدارة اقتصاد رشيد، جوهره إدارة الثروة، وليس إدارة الفقر، كما هو الحال فى الدول التى تتحمل المسؤولية الخاصة بتأخرها أو تقدمها.

التعليقات مغلقة.