لا أجد مدخلاً لموضوعي أعبِّرُ به عن كمِّ الأفكار المُتدفقة إلى ذهني، أو الآلام المُتجذرة بجسدي والآهات المُخالطة لدمي، جرّاء ما وصلت إليه مهنة «صاحبة الجلالة»، لكنِّي أزعم أنَّ ما يدور في نفسي ويُؤجج مشاعري الآن مُتطابق في كثير منه مع عدد من زملائي الصحفيين.


حين لا تستطيع أن تكتب ما تقتنع به أو تقتنع بما تكتب، فكبّر على قلمك أربعًا، واسلك طريقًا من الأشواك، في زمن لم يعد فيه لكلمة الحق أي وزن، أو للصراحة أي قيمة. حين أضع رأسي على الوسادة آخر اليوم وتتقاذف إلى ذهني مئات بل آلاف الكلمات التي لم أكن للحظة مقتنعًا بها أو على الأقل بجزء منها، لا وصف وقتها يمكن أن يعبر عن مشاعري حين يُراودني ذهني بأنِّي أسيرُ مُقبلَ اليدين.

 

نعم طليق لكنِّي مُقيدٌ، على الأقل لا أستطبع أن أقول ما بداخلي، ليس خشية النظام، ولكن لربما تُطالني أيضًا أيادي متطرفين ومتعصبين لأي من الآراء، حيث أصبحت المغالاة عنوانًا للمرحلة يجني الصحفي أشواقها من كافة الأطراف، فكلماته لن ترضي أي من الأطراف، أقصد حيث يكون الصحفي مستقلاً عن التجاذبات والصراعات.


أوقفتني مقولة للكاتب الأمريكي دان برون قال فيها: «أكبر مأساة في العالم أن تكون كاتبًا»، بالتأكيد إن لم يقصد برون الصحفي في مقولته، لكنه جسّدًا واقعًا عامًا يعيشه كل من يمسك بيده قلمًا ليكتب ما يقرأه الناس أو يشاهدونه، تلك في حد ذاتها أكبر المآسي، ضمائرنا لن تسامحنا والأكبر منها أولادنا حين يكبرون ويقرأون ما كنا نكتبه ما مبررنا؟


نعم أعلم أن التطلع إلى «الصراحة الكاملة» حلم صعب المنوال، على الأقل في عالمنا هذا الذي تخلي عن كل معاني الحيادية، غير أن ثمة خطوطًا النزول أسفلها يمثل دناءة في حق أنفسنا. أقصد بتلك الخطوط التي وصفها أستاذنا فهمي هويدي بـ«الصراحة الواجبة» التي دونها لا يجد الصحفي أو الكاتب مبررًا لاشتراكه في المفاسد أو الترويج للأكاذيب حتى يكون عونًا للباطل، وتلك مرحلة يصل الصحفي إليها دون أن يدري.


لا أرسم لوحة سوداء لواقع متشابك تتوه فيه الحقائق حتى على المتخصصين، لكن ما يؤلمني حقًا أن أصبح «الرأي المستقل» حبلَ مشنقةٍ يصنعها الصحفي أو الكاتب بنفسه، لا أعني الرأي المستقل المعارض فقط بل حتى المؤيد؛ حين يُغالي في تأييده فهو أيضًا أصبح في غير مأمن من بطش متعصب لرأي معارض، مع أنني لا أبرر التصرفين لكن قواعد الإنسانية، فضلاُ عن الحرية، تفرض علينا أن نحترم أي مخلوق من طين، ذلك أن رأيه يُعبر عن وجوده كشخص وإنسان يفكر.


كثير من الزملاء، وأزعم أني واحد منهم، يكون موجودًا حيث توجد الحقيقية ويسلك طريقها أينما هي تكون، فتلك مهمتنا ومهمة الصحفي البحث عن في أعماق الحقيقة، غير أنِّي وقتها أندم أن جعلني الله صحفيًا. تأنيب الضمير لن يكون سهلاً حين تمتلك حقيقة وتكتب غيرها، حين تبذل جهدًا للوصول إليها ويُمنع نشرها أو تخشى أنت كشفها.. نقول وقتها ليتنا لم نعرف الحقيقة.


كثيرًا ما أختار التزام الصمت حين لا أستطيع أن أحقق حد الكفاف من الصراحة الواجبة، أو أكتب بإسقاطات هروبًا من الواقع أو تصبيرًا لنفسي التي تراودني، غير أن الضمير لا يعرف مراوغة، يكون دائمًا حاضرًا كظل إنسان أترقبه ولا أستطيع محادثته.

 

نعم أعترف كنت كثيرًا جبانًا أخشى المواجهة معه، كنت أحيانًا أخوض غمار حربٍ نفسية ثم أرتضي المواجهة ساردًا مبرراتي الجمَّة، لكنَ «تحايل النفس ومبرراتها» لا يمكنها كسر صخرة الحق وقوة الصراحة حتى أعود وأقول لنفسي «قدري أنِّي صحفي».

 

التعليقات مغلقة.